Follow by Email

السبت، ١٧ شعبان ١٤٣٣ هـ

شكرا للسيد النهاري....


شكرا للسيد النهاري....
لم يكن أحد من القطب العلماني الاستئصالي يحلم بأكثر من هدية الشيخ النهاري...هي هدية بكل المقاييس يستحق الشيخ الواعظ الشكر عليها ولا توازيها من حيث الكرم، والتي كانت في نفس الوقت تقريبا، إلا هدم الأضرحة في أزواد باسم الإسلام وتجييش العالم ضد المشروع الهوياتي.
لا يهمني كثيرا مقصود القول المنسوب إلى السيد النهاري ومدى موافقته للاجتهاد الفقهي الذي نقله من ضيق الرأي الخاص إلى امتداد التنزيل والتوقيت، كما أنني لست معنيا بخصوصية المجال الذي قيل فيه ومدى مشروعيته، لكن المهم عندي هو أنه شكل طوق نجاة لخطاب فشل في إنتاج حدث يمكنه من العودة لتصدر المشهد الإعلامي والاجتماعي. وما يجري في البرلمان خير الأمثلة. فمنذ وصول الحركة الإسلامية في المغرب، وغيره من دول الربيع العربي، إلى إدارة الشأن العام والقطب الاستئصالي يتصيد الأخطاء ويعبئ بغية إشعال فتيل المواجهة ونقل المواجهة إلى الشارع العام والتجاذب الإعلامي. وكأننا نشهد استنساخا للمواجهات الممتدة عبر خريطة الوطن العربي. ففي مصر مازالت الفلول لم تتعب من خلق العراقيل لانتصار الشعب وقيادته الإسلامية، حيث مازال توفيق عكاشة ودراريه يسخرون قدراتهم البلاغية والتعبوية لمواجهة المد الديمقراطي الشعبي. وفي تونس استفاقت كتائب الرفض التي كانت حتى وقت قريب تستفيد من النظام البائد للنبش في ملفات الاختلاف. وفي المغرب يجد هذا التيار كل مرة نفسه منعزلا داخل جزيرة من التهميش الاجتماعي وعدم الثقة من قبل المغاربة، فيبحث عن وسيلة للعودة إلى المشهد. حيث عبأ طاقاته الجمعوية بغية إحراج الإسلاميين وحلفائهم، وحاول فتح ملفات كثيرة من الطفولة إلى المرأة فالشباب فالشغل وغيرها دون أن يجد لها سند، وعبأ نقاباته المهترئة لتنظيم وقفات ومسيرات واحتجاجات انقلبت عليهم بقلة الاستجابة وكثرة الانسحابات فانكشفت عوراتهم التنظيمية، وبدأ يحرك الشارع كيفما اتفق لخلخلة الوضع، وحين أريد للإعلام أن يواكب حركية الدمقرطة عبئت كل الطاقات والأقلام من أجل محاربة الإصلاح وترسيخ الفساد المادي والأخلاقي، وفي كل مرة يكون ملف الفساد المالي حاضرا تجد هذه الأصوات تنتفض بشعارات أبانت أن المقصود ليس التحديث أو الدمقرطة ولكن يراد من خلالها الحفاظ على المصالح المادية والفئوية للنخبة المتسيدة، كيف لا وهي التي استفادت لعهود وعقود من قربها من دوائر القرار واستغلته في فرض النماذج الهجينة على المجتمع في التعليم والإعلام والفن وكل مناحي الحياة. وحين يتاح للمجتمع المغربي مناسبة للتعبير عن رأيه يرمي بهذه الأصوات إلى خارج الانتماء والوطن كما حصل في الانتخابات  الأخيرة. وبالرغم من بعض القرارات المثيرة للجدل للسيد بنكيران وحكومته فإن احترام وتقدير الجماهير لم ينقص لسبب أساسي هو الثقة في المسار وقدر مهم من المصداقية والنقاء الخلقي.
وأتى الشيخ النهاري بخرجته ليغير المعادلة ويعطي لهؤلاء فرصة العودة للحياة بعد أن بان الاحتضار في الأفق القريب... فلو تأمل السيد في مسار هؤلاء لوجد أن خرجتهم الأخيرة حول الحرية الجنسية ليست بالشيء الجديد، بل هي استمرار لخرجات منظمة ومهندسة بغية هدم مسار الحكومة والمشروع الإسلامي والهوية المغربية، أي أن الأمر غير خاص بالذات الخاصة بل بالذات العامة التي يبرمج كيفية الإجهاز عليها. لو استوعب السيد النهاري دوره الحقيقي الدعوي لفهم أن أول شروط الداعية أن تكون له استراتيجية لإيصال الرسالة، وأي استراتيجية هذه إن كانت تهدم مسار سنين من العمل، وتمنح طوق نجاة للمغردين خارج سرب المجتمع، لو فهم السيد النهاري دوره لعرف أن من المفروض أن يكون خطابه مؤسسا ومستوعبا للحظة وليس متحدثا كيف ما اتفق وحسب شروط المجلس والالتقاء... لو فهم السيد النهاري موازين القوى في العالم العربي وولى وجهه للحظة صوب الجوار لرأى في الأمر تماثلا وعملا منسقا ضد المشروع الذي يزعم أنه جزء منه... لو استوعب السيد النهاري الأمر لكان صمته أبلغ من قوله. قد لا يسعنا المجال للشك في صدق الرجل وشعبيته التي تجاوزت الحدود وقدرته على التأثير في المتلقين بل ومقارباته الصائبة في أحيان كثيرة، لكن الأجدر أن تكون معالجاته التعبوية داخلة في مشروع اشمل وفهم لواقع المجتمع وآفاق الصراع ضد القطب الاستئصالي. فلا أحد من هذا القطب إلا ويهمس: شكرا للسيد النهاري، وحتى لا تقلب الآية ضد الغاية فالمطلوب أن تكون آلية الدفاع جزء من منظومة المدافعة.

هل غدت العربية لغة مزعجة؟


هل غدت العربية لغة مزعجة؟
د.فؤاد بوعلي
ليس مفاجئا أن تفتح بعض الأصوات الاستئصالية النار في هذه الفترة على اللغة العربية كما فتحتها على كل مقومات الأمة. إذ يعرف النقاش الاجتماعي بالمغرب في الآونة الأخيرة وبعد وصول حكومة السيد بنكيران فتح العديد من الملفات التي تثبت ما قلناه في مناسبات عديدة أن جوهر الإشكال يتعلق بمحاولات فرض نموذج قيمي بديل يغير منطق الانتماء وحدوده، وليس نقاشا عرضيا يمكن التداول في جزئياته. فالحديث الجاري حاليا حول الحرية الجنسية والإعدام والدعارة ورمضان....ينضاف إليه الهجوم المحموم على اللغة العربية وقدراتها والمدافعين عنها، يدخل في إطار مشروع أشمل يروم فرض منظومة قيم مغايرة ضدا على المشترك الجمعي بعد أن فشلت هذه الأصوات في فرضها عبر الوسيلة الديمقراطية. وفي هذا السياق تأتي مقالة "مشاكل اللغة العربية التي يخلقها لها "المدافعون" عنها" لأحد أهم الأصوات الاستئصالية التي طالما نادت بإعادة النظر في الوجود المغربي من خلال الربط بين العلمانية والأمازيغية. ووقوفنا عند هذه المقالة ليس من باب الجدال، لأن جل ما فيها تواتر عند سدنة الخطاب الاستئصالي ورردنا عليه في غير ما مرة، وإنما اعتقادا منا بجمعها للعديد من الأخطاء المنهجية والمعرفية التي تتكرر في كل حين وآن، وكأنك وأنت تقرأها قد تتخيل نفسك تقرأ أسطرا لكاتب من الثمانينات لم يستفد من منجزات البحث اللساني ولا التقارير الدولية حول التنمية البشرية ولا تطورات النقاش الاجتماعي. لذا نشير إلى بعض الملاحظات دون أن نتوقف عند الجزئيات مادامت تكرارا لما صدر سلفا وإن كان الأهم عندنا توقيت النشر:
1 ــ قد لا نختلف كثيرا في القول بأن هناك فوضى عارمة تعيشها السياسة اللغوية بالمغرب، لكن الأكيد أننا نختلف في التوصيف. ففي حين يردد صاحب المقال ما أقره كبراؤه أن التعريب هو جوهر الأزمة التي يعاني منها التعليم المغربي، فإن السؤال الواجب طرحه والذي تتهرب كثير من الأقلام الأمازيغية ومنهم صاحب المقال من الجواب عليه هو: هل الإشكال في التعريب أم في سياسة التعريب؟ وهل يستطيعون قراءة تجربة التعريب بشكل موضوعي بعيدا عن فقاعات الإعلام والاصطفاف الإيديولوجي؟ فالتجارب التي تحققت عربيا وبعضها الآن في طور الإنجاز تثبت أن الإشكال كان في طريقة تعامل السلطة مع تعريب التعليم والذي تميز بكثير من التجاذبات الحزبية وعلاقات النظام بالخارج ودرجة قناعة السلطة بالخطوة الحضارية. والسؤال الحقيقي الذي ينبغي الجواب عنه هو: هل عدم تعريب التعليم بجميع الأسلاك هو خوف من دمقرطة المعرفة واشتراك الجميع نخبة وقاعدة في المعلومة؟ وأليس عدم تعريب التعليم الجامعي والعالي هو السبب في فقدان هذا الأخير لبوصلة الإبداع ؟ لقد شكل التعريب خيارا وطنيا واجهته العديد من الجهات أبرزها المرتبطة إيديولوجيا ومصلحيا بالفضاء الفرنكفوني مادامت العربية تزعج  وجودهم الحضاري وعلاقتهم بالسيد الفرنسي . ألم يقل صاحب المقال في مكان آخر أن الفرنسية لغة وطنية. هل يحتاج الأمر إلى مزيد إيضاح؟
2 ــ من بين الإشكالات التي تطرح مع غير المختصين في اللغويات العلاقة الملتبسة بين اللغة والدارجة. لذا ذهب صاحب المقال في التأريخ الذي قدمه لمسار الدفاع عن العربية إلى أن المرحلة الثالثة هي التي بدأت سنة 2010 بعد ارتفاع أصوات تنادي باعتماد الدارجة لغة بديلة عن العربية الفصحى. لكن ما لم يصل إلى علم السيد بودهان أن محاولات المدافعين عن التلهيج ليست وليدة اللحظة ولم تكن نتاج ندوة البيضاء، بل منذ عقود ومحاولات التلهيج على قدم وساق. ويكفينا أن نذكر بكتابي ” لغة مراكش العامية وقواعدها" لبنسمايل الصادر سنة 1918م، و"عربية مراكش" للويس ميرسيي الصادر سنة 1925م، لنبرز قدم هذه الدعوة. وإن بحثنا بشكل علمي بعيدا عن الخطاب الشعبوي التعبوي في العلاقة بين العربية والعامية المغربية لوجدنا التماثل حاضرا ، وكما قال الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله:" فاللهجات العامية المتفرعة عن العربية في بلاد المغرب واليمن والحجاز، لا يوجد بينها إلا فروق ضئيلة في نظام تكوين الجملة وتغيير البنية وقواعد الاشتقاق والجمع والتأنيث والوصف والنسب والتصغير...أما الاختلاف في الجانب الصوتي والدلالي فقد بلغ درجة كبيرة"، ولو تحدثنا عن التأثر والتأثير، فقد وصلت الدراسات الفيلولوجية إلى وجود الأثر الفارسي في الدارجة عن طريق الدخيل المعجمي العربي. فهل نقول أن العامية المغربية فارسية الأصل؟  وأين الصفاء الملحوظ في الكثير من الكلمات التي درجت على ألسنة العامة من أهل زعير كما أشار إلى ذلك لوبينياك عام 1916 في كتابه "نصوص عربية في زعير" (طبعة باريس، 1952)، مما لا يوجد له مثيلاً إلا عند القبائل التي لا يتطرق الشك إلى عروبتها كالشاوية ؟. وإذا كان صاحب المقال سنده ودليله هو قول بنشمسي فالنتيجة معروفة سلفا مادامت المقدمة واهية. 
3 ـــ هناك مغالطة طالما ترددت في حديث الخطاب الاستئصالي المعتمد الدفاع عن الأمازيغية كآلية للوصول لغايته: إن المدافعين عن العربية يختارون اللغات الأجنبية في تعليم أبنائهم. طيب لنعكس الآية ونقول: لم يختار هؤلاء الكتابة والحديث بلغات أخرى خاصة الفرنسية غير التي يتخمون المنابر بالدفاع عنها؟ أليس من الأجدر أن يكتب السيد مقاله بحرف تفيناغ؟ والأكثر من ذلك أين هم أبناؤهم من تعلم لغتهم؟ ونحن نعرف أن أبناء سدنتهم يملؤون مدارس البعثات الأجنبية. مشكلة العقل الاستئصالي هو شخصنة القضايا وتسطيحها بدل البحث في المعالجة العلمية. فالعلاقة بين الإيمان بالقضية والمسلكيات الشخصية لا تخص مدافعا عن العروبة أوالأمازيغية، ولا تخص فئة دون أخرى، بل هي قضية مرتبطة بقدرة الفرد على المواءمة بين تراكماته الذاتية وقناعاته الفكرية. ولنا في المسؤولين الذي كانوا يصدحون ليل نهار بمبادئهم وحين يمكنوا يكون للخطاب وجه آخر.
4 ــ هل هناك خوف على العربية؟ ومم؟ ما يفهمه صاحب المقال جيدا أن الدفاع عن العربية لا يقف عند حدود اللغة بل هو ضد الاستيلاب الوجودي الذي يؤسس له هو وأترابه، لذا فدفاعهم عن الأمازيغية ليس الغرض منه دفاعا عن لغة هضم حقها في الوجود ولكن الغرض منه هو إزالة العربية من الوجود وإحلال لغة السادة بدلها. والأمر واضح في كلامه. نقطة أخرى يمكن الإشارة إليها أن المدافعين عن التلهيج في المغرب لم يكونوا في يوم من الأيام متخصصون يناقشون قضايا الشأن اللغوي، بل جل المنتمين لهذا التيار مساهمون في  محاولات فرض القيم الغريبة. فالذين دافعوا عن تدريس العامية هم أنفسهم من يدافع عن الحرية الجنسية والخلاعة باسم الفن وكل القيم البديلة. أبعد هذا يمكن التشكيك في المؤامرة؟
5 ـ هناك حقيقة تؤرق سدنة العلمنة هي الارتباط اللزومي بين النص القرآني واللغة العربية وهو ما نقلها من مستواها العنصري إلى مستوى الريادة العالمية. والذي يتجاهله صاحب المقال أن قدرة اللسان العربي على احتواء الكلام المقدس بما يحويه من مضامين مفارقة ومتصلة يجعله أقدر على الاستعمال اليومي في الشأن العام والخاص، ومطالبتنا بجعلها لغة الإدارة والتعليم تتأسس على قدراتها الذاتية التي أثبتناها في أكثر من منبر أكاديمي، وبعدها الديني ليس إلا وجها واحدا وإن كان الأهم .
يبدو أن العربية غدت مزعجة للكثير من سدنة الخطاب الاستئصالي لما تمثله من مقومات الوجود الهوياتي، لذا فالحرب عليها لا تنفصل عن الحرب على وجود الأمة، واللغة ليست آلية للتواصل فحسب بل وعاء للمعرفة والقيم.

الاثنين، ١٢ شعبان ١٤٣٣ هـ

الجنس بين الحرية... والانتقام من الذات



يقول برناردشو: "من عيوب الديمقراطية أنها تجبرك على الاستماع إلى رأي الحمقى"
من حسنات الحالة الثورية التي يعيشها العالم العربي فضحها للنخبة المتحكمة في القرار الفكري والحقوقي وإبرازها لموقعها الحقيقي المفارق للمجتمع. إذ لم تتوان هذه الأصوات المنعزلة جماهيريا واجتماعيا من تقديم نفسها المعبرة عن قيم الحداثة والتنمية ووصف المجتمع الذي تعيش فيه بالتخلف والنفاق. فكما أبرزت ثورات الربيع العربي ارتباطها الإيديولوجي بالاستبداد واستغلال السلطة لتمرير مشروعها، برهنت الانتخابات التي عرفتها بعض البلاد قزمية تمثيليتها ونخبوية خطابها بل مصادمته للمشترك الجمعي.
ولأن لكل شيء علة وجود فإن هذا الكلام لا يمكن فصله عن سياقه العام والخاص. فمع اقتراب شهر رمضان من كل عام، وفي مقابل حالة الاحتفاء التي تسم المشهد الاجتماعي المغربي، تحتفي بعض الأصوات العلمانية على طريقتها. حيث تتعالى أصوات المتحدثين عن الحريات الفردية واتهام المجتمع المغربي بمحاربتها. وكأنها تتعالى لتختفي مع إطلالة الشهر وتعلن نهايتها بفشلها لتعاود الانكماش. ففي السنوات الماضية تمحور النقاش حول حرية الإفطار خلال هذا الشهر ومحاولات البعض باسم الحقوق تنظيم إفطارات جماعية تصدت لها الساكنة بالرفض والمواجهة. وفي هذه السنة يدور النقاش حول الحرية الجنسية بعد ندوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي راهنت على فرض نماذج قيمية بديلة في كل المجالات تحت مزاعم الدفاع عن الحقوق والحريات العامة وذلك في سياق مطالبتها بتعديل الفصل 490 من القانون الجنائي. ولو تأملت في المشهد الإعلامي والثقافي ستجد تعابير لمثل هذه الأصوات تزكم الساحة الفكرية دون أن يكون لها اثر في الواقع المغربي . وهذا ما يفرض علينا إبداء بعض الملاحظات الأولية:
ــ لا يمكن فصل هذا النقاش عن مسار الاصطفاف الذي تعيشه المجتمعات العربية. فبعد فشل هذه الأصوات في تسيد القرار السياسي وانتباهها إلى حجمها الحقيقي بعد سنوات من الوهم بدأت في خلق المتاعب والعراقيل للحكومات المنتخبة تارة باسم حقوق العمال كما فعلت النقابات الاتحادية ومن يدور في فلكها، وتارة باسم الحقوق الثقافية، وتارة باسم حقوق المجتمع وحرياته الفردية. وبالرغم من اختلاف العناوين فالمقصد واحد وإن تعددت الروايات المؤلفة. ولنا في التجربتين التونسية والمصرية دليل يبرز تماثل الغاية ، حيث استفاقت هذه الأصوات بعد مدة بضرورة إفشال التجربة الحالية والعودة إلى النموذج الاستبدادي الذي تقتات منه وجودها.
ــ  أزمة سدنة الخطاب العلماني الاستئصالي داخل المجتمع هو رهانها على إسقاط الذات على المجتمع. إذ تبني على تجاربها الذاتية وواقعها الضيق ومسلكياتها الخاصة الشاذة مواقف تحاول فرضها على المجتمع بأسره. فالأمر في هذه الحالة لا يتعلق بمبادئ حقوقية أو دفاعا عن قضايا مجتمعية بقدر ما هو حالة نفسية خاصة تحاول تبرير سلوكها اليومي بمبادئ كلية وجر الجماعة للخضوع لنزواتها الفردية. فالخمر والإفطار في رمضان والدعارة والشذوذ الجنسي والعري باسم الفن...غدت في عرف هؤلاء عناوين لقيم بديلة تحاول مسخ المشترك المغربي باسم الحرية.
ــ أثبتت أحداث سابقة شهدتها بعض مدن وقرى المملكة منطق التعامل مع حقوق المجتمع. فحين انتفضت ساكنة عين اللوح "الأمازيغية" ضد الدعارة والفساد اعتبرت هذه الهيئات ذلك تدخلا في حقوق الإنسان وهجمة "أصولية" تقودها حكومة العدالة والتنمية، لكن حين رغب بعض "الشواذ" مواجهة المجتمع بالإفطار في واضحة النهار وإن عبر الناس عن رفضهم كان ذلك حرية خاصة. مما يثبت ان الحقوق عند هؤلاء تكون مشرعنة ويجوز الدفاع عنها إذا أدت إلى منظومة القيم البديلة التي تحاول فرضها وفصلا داخل أجندة التجزئ الاجتماعي الذي تقتات عليه.  
ــ لقد فرض الدستور المغربي واقعا جديدا لم تقدر هذه الأطراف على استيعابه. فكلنا يتذكر محاولاتها الدؤوبة لفرض قيمها العلمانية على المغاربة باسم الحداثة والكونية وهو ما اصطدم بإصرار القطب الهوياتي ممثلا في العلماء والحركة الإسلامية وبعض الأحزاب السياسية وبتوافق مع المؤسسة الملكية لعدم المساس بموقع الدين الإسلامي. وكعادتها في التعامل الانتقائي مع النصوص النظرية والتأسيسية واختيار ما يسند مزاعمها من التراث أو الحاضر توقفت عند النص الدستوري متجاهلة تأكيده على:"المملكة المغربية دولة إسلامية، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية" و"أن الهوية المغربية تتميز بتبوإ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها" و" تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي" و"الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية." فكلها نصوص لم  ولن تتمكن هذه الأصوات من رؤيتها وقراءتها ومقاربتها مادامت لا توافق منطلقاتها القيمية وغايتها التجزيئية ومادام الدستور يلح دوما على كون الإسلام دين الدولة ومصدر التشريع الأساس ومقدمة ثوابت المشترك المغربي. فإسلامية الدولة لا تعني رفض الأديان أو الاختيارات العقدية بل ضمان حرية العقيدة مبدأ أصيل ومقنن بشكل لا يصادم الاختيار الجماعي.
ـــ لم ينس المشرع الإشارة إلى العلاقة بين الكوني والخاص بشكل قد يحسم النقاش لو كان موضوعيا من خلال "جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة". وبقراءة عرضية ودون تعمق في التحليل يستشف المتابع أن المقصود بالأمر هو ثنائية التشريع الوطني والاتفاقيات الدولية حين انضباطها لأحكام الدستور وضوابط الهوية وفي البابين معا يكون الإسلام هو الأصل.
ـ لم يستطع الخطاب العلماني استيعاب الاختلاف الفكري والإجرائي في فهم الحرية حيث ظل يجتر مفاهيم تم تجاوزها حتى في الفكر الفلسفي الأوربي. فإطلاقية المفهوم وعدم تحديده غدا أمر مستشنعا في التجربة المعاصرة بل أصبح الاقتناع بأن الحدود التي رسمها الطبع والوعي والانتماء هي ضابط وجود الإنسان الذي أنتج على مدار كينونته جملة من القيم المعبرة عن رؤيته للطبيعة وللعالم والتي غدت ضوابط تقيد مسلكياته في أفق ضمان الاستمرار والتميز عن مكونات الطبيعة الأخرى. وكما قال  ايزايا برلين في كتابه " حدود الحرية" : "على الذين يؤمنون بالحرية كتوجيه ذاتي عقلاني، أن يفكروا عاجلاً أم آجلاً في كيفية استخدامها لا في حياة الفرد الخاصة وحسب، بل في علاقته مع أفراد مجتمعه الآخرين أيضاً (...) فكيف يمكن تلافي التصادم مع رغبات الآخرين في هذه الحال؟ أين تقع الحدود الفاصلة بين حقوقي (التي يحددها المنطق) وحقوق الآخرين المشابهة لحقوقي". لذا فالحرية الجنسية التي تغنى بها أصحاب هذا الزعم هي جزء من محاولات خلخلة النظام الاجتماعي وطغيان الفرد على الجماعة وتقديم المصلحة الذاتية العرضية على مصلحة الجماعة المؤسسة.
ــ بأسلوب قدحي وهجومي على المجتمع يتهم الناس في خطاب هؤلاء بالنفاق. والمقصود في هذا السياق جموع المغاربة الذين اختاروا الاحتماء بمشتركهم الجمعي والاجتماعي وعقيدتهم وانتمائهم الأخلاقي. وفي هذه الصياغة التي تكررت على لسان أكثر من صوت من هذه الأصوات النشاز تبرز حالة انفصام ذاتي تتمظهر في الاعتلاء على المجتمع وجلد الذات التي ترفض في وعي هؤلاء مما أنتج جرأة على قيم المجتمع المغربي ثقافيا وفكريا ودينيا. لذا فإن كان تسامح المغاربة قد سمح لهؤلاء بالكلام فإن صبرهم على هذه الجرأة على الدين والقيم لن يطول كثيرا.
أثبتت الأحداث التي عرفها المجتمع المغربي أن الخيار الديمقراطي الذي سيد القطب الهوياتي لم يكن ليروق لأعداء الانتماء المغربي بمقوماته العقدية والتاريخية والثقافية. لذا اختارت عرقلة هذا الخيار باسم الحداثة والكونية والانتقام من مجتمع رفضها قبل أن يلفظها.

الخيار الوحيد: الاستبداد أو القطب الهوياتي



من الصعب أن توضع بين خيارين لا ثالث لهما، لكن هذا هو حال الإنسان العربي بعد ثورات ربيعه المعبرة عن جوهر الاختيار وأطرافه: إما الاستبداد وفلوله وإما القطب الهوياتي وامتداته.
منذ بداية ثورات الربيع العربي كنا نؤكد أن أهم تداعياته أمران أساسيان: أولا فرض الاختيار الجوهري بين الاستبداد والدمقرطة، والذي كانت الأنظمة الاستبدادية تخفيه وتغلفه بالأزمات الداخلية المتعاقبة موجهة الرأي العام نحو صراعات تحقق لها التوازن الاجتماعي وتحفظ لها كرسي إدارة الشأن العام، وثانيا التماثل بين تجارب الشعوب العربية التي وإن اختلفت في جزئيات التجربة فالوحدة الوجدانية وتشابه الأنظمة والتاريخ المشترك يجعل الصورة تتكرر حتى في تفاصيلها الجزئية من حيث وجهة الاختيار ونوعية كتائب الرفض وسبل المواجهة. لذا ليس غريبا أو مفاجئا أو مصادفة أن نجد التشابه حاضرا بين تجارب مصر والمغرب وتونس حتى في سبل عرقلة المشروع الهوياتي، وخير الأمثلة الأحكام القضائية التي تظهر هنا وهناك لثني المشروع وإبطاله باسم القانون، والحركات الاحتجاجية المستعملة لنفس الأسلوب، والحملات الإعلامية الرامية لتشويه صورة القادة الجدد. إنها الوحدة في كل شيء حتى في الهجوم على الوحدة. 
في مصر، وبعد مخاض طويل وحملات إعلامية وسياسية منظمة وانقلابات متتالية اختار الناس القطب الهوياتي ممثلا في حركة الإخوان المسلمين ومن تحالف معها من الحركات الديمقراطية. وقد وضع المصريون وبقوة بين اختيارين: القطب الهوياتي الديمقراطي ممثلا في رئيس حزب الحرية والعدالة، وقطب الاستبداد ممثلا في وزير مبارك وممثل العسكر الذي حاول إعادة أمجاد صاحبه وفلوله. وبالرغم من الحملات المنظمة إعلاميا والتي اختارت عنوانا مشتركا لها هو التشكيك في الجماعة والحزب والتيار الإسلامي ككل، بالتركيز على عرض الأفلام ومسلسلات مثل الإرهابي والجماعة والبرامج الحوارية التي تحرض على الحركة الإسلامية، بل وصل الأمر بالبعض إلى تخصيص منبره للمواجهة المباشرة وتقديم مستقبل مصر حين وصول الإخوان على أنه عصر حروب الشوارع والتجزئة وتخويف الطوائف الدينية كما فعل توفيق عكاشه في "الفراعين"، هذا بعد أن كيلت سابقا التهم تلو الأخرى للحركة تخوينا لها وتصويرها على أنها مجرد حليف استراتيجي للاستبداد وستبدأ في فرض الدولة الدينية منتقين نماذج من إيران وأفغانستان والسعودية واسوأ ما فيها على حد تعبير فهمي هويدي...بالرغم من كل ذلك انتصر الإخوان وأعلنوا بداية زمن التطهير الديمقراطي.
إذا كانت الصورة واضحة في مصر ففي المغرب تبدو مصابة بنوع من الصدأ الذي يحاول إخفاء حقيقة المواجهة. فمنذ بداية الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية ومن تحالف معها وطبول الحرب تدق معلنة التكتل من أجل إفشال المشروع. ومنذ بداية التجربة ونحن نقول أن بيانات الجبهة "الحداثية" ليست كلاما عرضيا بل هو تأسيس لفريق المواجهة. فمن يصدق أن خرجات النقابات المحسوبة على العهد البائد يقصد منها الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة؟ ومن تصور أن المسيرات المتكررة وفي مدن مختلفة وبعناوين وأسماء عريضة تريد مواجهة جشع الحكومة وأرباب العمل فقد احتقر ذكاء المغاربة؟. ومن سيصدق أن السيد نوبير الأموي الذي استيقظ بعد سبات عميق وحاول العودة إلى أصوله الاتحادية حاملا معه ذكرى الجامعة الربيعية لسنة 1996 وبنفس الألفاظ التي وجهها لوزراء الحكومة المنتخبة بعد أن فشلت تجارب أصدقائه الحزبيين يرغب في الدفاع عن الطبقة العاملة؟ من سيصدق كل هذا؟ بل هي محاولة من التيار اليساري بكل مكوناته تجميع قواعده بغية مواجهة المشروع الوطني الذي تقوده الحركة الإسلامية والتي انتصرت بهامش ولو كان ضيقا من الحرية. لكن قدر هذا التيار بعدما خسر ديمقراطيا وأسقطته صناديق الاقتراع أن يغدو في حلف استراتيجي وداخل دائرة واحدة مع أحزاب السلطة التي أرادت قمع المشروع الوطني و"تونسة" المجتمع المغربي. قدرها أن تكون في نفس الخندق المواجه للمشروع الديمقراطي مع أعداء المدنية والدمقرطة، وعرقلة الخيار الشعبي والوطني بغية إعادة عقارب الزمن المغربي إلى الوراء حيث باسم الحداثة المفروضة يوجه المغاربة كالخرفان نحو خيار مرفوض من قبلهم.
لقد انتصرت الديمقراطية واختار الشعب من يملكه تدبير الشأن العام. والبادي للعيان أن الاختيار لم يكن متعددا ولا خاصا بل كان حتميا وسيظل أزليا بين أمرين: الديمقراطية أو الاستبداد، الهوياتية أوالفلول، المستقبل الجامع لقيم الوحدة والانتماء أو ماضي القمع والسلطوية وفرض النماذج المستوردة. فهل يتعظون؟